يبلغ الناتج المحلي الإجمالي لسوريا حوالي 16 مليار دولار، ويبلغ عدد السكان فيها 16 مليون نسمة، وقد بلغ معدل دخل الفرد للعام 2001 حوالي 950 دولارا في السنة. ويمكن مقارنة هذا المعدل مع المعدل لمجموعة من الدول العربية غير النفطية كالتالي: لبنان 4,010 دولارات، تونس 2,100 دولار، الجزائر 1,580 دولارا، الأردن 1,720 دولارا، مصر 1,490 دولارا، المغرب 1,180 دولارا، واليمن 410 دولارات، أي أن معدل دخل الفرد في سوريا هو دون معدله في هذه الدول العربية غير النفطية ما عدا اليمن وموريتانيا والسودان.
وتصنف سوريا، في سلم التنمية العالمي، مثلها مثل معظم الدول العربية غير النفطية، ضمن الشريحة الأدنى من الدول متوسطة الدخل في العالم، وتشمل هذه الشريحة دولاً مثل بولندا وبلغاريا وتركيا وإيران والإكوادور و السنغال وغيرها.
متوسط دخل الفرد لمجموعة من الدول في المنطقة 1980 و 1998 – 2001
(بالدولار الأميركي)
|
2001
|
2000
|
1999
|
1998
|
1980
|
|
|
950
|
990
|
1020
|
1080
|
1340
|
سوريا
|
|
1580
|
1590
|
1540
|
1560
|
1870
|
الجزائر
|
|
1490
|
1490
|
1380
|
1280
|
580
|
مصر
|
|
1720
|
1680
|
1630
|
1630
|
1420
|
الأردن
|
|
4010
|
3750
|
3730
|
3530
|
…..
|
لبنان
|
|
390
|
370
|
390
|
420
|
440
|
موريتانيا
|
|
1180
|
1180
|
1190
|
1250
|
900
|
المغرب
|
|
310
|
310
|
310
|
300
|
410
|
السودان
|
|
2100
|
2090
|
2090
|
2050
|
1310
|
تونس
|
|
410
|
380
|
360
|
360
|
425*
|
اليمن
|
|
16710
|
16710
|
16310
|
16470
|
4500
|
إسرائيل
|
* اليمن الشمالي 430 دولار واليمن الجنوبي 420 دولار.
المصدر: إحصائيات البنك الدولي (من الإنترنت)
يعتمد الاقتصاد السوري تاريخيا، اعتماداً كبيراً على الزراعة، ولكن منذ 12 سنة، وبعد اكتشاف النفط الخفيف في منطقة دير الزور، أصبح قطاع النفط يشكل عنصراً رئيسياً حصته حوالي 20 في المئة من عناصر الدخل القومي، حيث تنتج سوريا حوالي 520 ألف برميل في اليوم، تصدر حوالي ثلثيه، وتجني من هذا التصدير ما قيمته ثلاثة مليارات دولار في السنة، وتشكل حوالي
2- 3 في المئة في السنة، بسبب توقف عملية الإصلاح من حيث الواقع بعد صدور قانون الاستثمار رقم 10، وبسبب استمرار الحكومة اعتماد سياسة مالية تقشفية (حتى العام 2000)، على الرغم من تباطؤ النمو في الاقتصاد الوطني. ويلاحظ أن معدل الاستثمار تدهور بشكل ملحوظ في هذه الفترة، حيث انحدر من نسبة 27 في المئة من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي في العام 1995 إلى نسبة 18في المئة في العام 2001، وانحدرت حصة مساهمة القطاع الخاص في مجمل الاستثمارات من 56 في المئة في العام 1995 إلى نسبة 32 في المئة في عام 2001.
وقد استمر النمو بمعدلاته المتواضعة في العام 2001 محققاً معدلاً بحدود 2.5-3 في المئة فقط، على الرغم من المواسم الزراعية الجيدة نسبياً وأسعار النفط العالية وواردات النفط العراقي وفتح أسواق العراق، وعلى الرغم من السياسة المالية للدولة التي بدأت تتجه نحو التوسع، ما يدل على وجود معوقات هيكلية ومؤسساتية في الاقتصاد الوطني.
لكن تجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من تباطؤ النمو، يبدي الاقتصاد الكلي مؤشرات إيجابية بفضل صادرات النفط وأسعاره العالية. فالميزان التجاري السوري يحقق فائضاً، وعجز الموازنة هو في حدود مقبولة، وسعر الصرف لا زال ثابتا نسبياً على مدى العشر سنوات الماضية، ومعدلات التضخم تتراوح منذ منتصف التسعينات في حدود 3-4 في المئة في العام، متأثرة بالركود العام في الاقتصاد الوطني. وتبقى المشكلة في النمو البطيء وغير المستديم للاقتصاد الوطني وفي الأسباب الكامنة وراء هذا النمو البطيء وما ينتج عنه من تدهور في مستوى المعيشة ومن زيادة في البطالة ومن تآكل قدرة الاقتصاد الوطني على المنافسة وعلى اللحاق بالركب العالمي.
معوقات النمو
يعاني الاقتصاد السوري من معوقات طويلة الأمد وأخرى قصيرة الأمد. وتتشكل المعوقات طويلة الأمد من البيئة التشريعية والتنظيمية التي أقيمت خلال نظام التخطيط المركزي والتي لا زالت تحكم القطاع الخاص وتُقيِّد قدرته على المنافسة، ومن الجمود في الهياكل والمؤسسات الإنتاجية في القطاع العام، ومن ضعف وتفتت القطاع الخاص نتيجة تحجيم دوره على مدى ثلاثين سنة ونتيجة الحماية الجمركية العالية للصناعة التي تشكل امتداداً لاستراتيجية إحلال الواردات، ومن تدني المهارات والقدرات التكنولوجية المحلية، ومن ضعف موارد البلاد من القطع الأجنبي خارج قطاع النفط. وأدت هذه المعوقات إلى تدني كل من معدلات الاستثمار وإنتاجية الاستثمار، وخاصة في السنوات الأخيرة. أما في السنوات التي تحققت فيها معدلات نمو عالية فقد كان ذلك بدعم رئيسي من المساعدات الخارجية التي أشرنا إليها أعلاه (التي بلغت حوالي مليار دولار في السنة في العامين 1979 و1980 مثلاً) أو بفضل أموال النفط الجديد في السنوات ال13 الماضية. وهذا الاعتماد، على المساعدات الخارجية تارة وعلى أموال النفط تارةً أخرى، يجعل من عملية النمو في الاقتصاد السوري عملية هشة، متأثرة بعوامل غير مستديمة، ما يتطلب القيام بإصلاح عميق في بنية الاقتصاد، يجعل النمو معتمداً على الاستثمار المتنامي في القطاعات الاقتصادية الحيوية، وعلى الابتكار التقني المستمر في كافة القطاعات.
أما مشكلة الاقتصاد على المدى القصير فهي مشكلة الركود الاقتصادي الحالي، الناتج بالأساس عن ضعف الاستثمار الخاص، والذي يعود في اعتقادي، ليس إلى أزمة سيولة (كما يقول الكثيرون)، بقدر ما يعود إلى أزمة ثقة ناتجة عن عدم الوضوح بالنسبة للتوجه الاقتصادي الحقيقي للدولة وغياب برنامج الإصلاح الاقتصادي الشامل والهادف إلى لبرلة الاقتصاد الوطني. فأين موقع الإصلاح الاقتصادي في سوريا؟
ما الذي يُعيق الإصلاح؟
لا شك في أن الإصلاحات التي تمت في سوريا خلال الخمس عشرة سنة الماضية هي إصلاحات في الطريق الصحيح، لكن هذه الإصلاحات لم تنفذ إلى عمق المشاكل الحقيقية التي يعاني منها الاقتصاد الوطني، وإلى عمق التحديات الخارجية التي تواجهه، ولم تقنع المستثمرين المحلي والأجنبي بما فيه الكفاية ليزيدا من استثمارهما، وبالتالي فهي لم تترك أثراً بالغاً على الاقتصاد، فقد استمر النمو بمعدلاته المتدنية وهيمن الركود على الاقتصاد الوطني، وخاصة في السنوات السبع الأخيرة. ولولا أموال النفط، حديثة العهد، لكانت معدلات النمو سالبة، حيث تخفي أموال النفط هذه، مثلما كانت تخفي المساعدات الخارجية في السابق، الخلل الجوهري في البيئة التنظيمية والتشريعية للاقتصاد الوطني والجمود في بنيته الانتاجية.
وتعاني قضية الإصلاح في سوريا من مشكلتين: مشكلة في الإصلاح نفسه، ومشكلة في التطبيق. وتعود المشكلتان في الأساس إلى ضعف القدرة المؤسساتية على تخطيط الإصلاح كما على تنفيذه. ويتمثل ضعف القدرة المؤسساتية هذه بالعناصر التالية: أ غياب الفكر الاقتصادي الواضح وغياب البرنامج الشامل. فقد جاءت خطوات الإصلاح الأولى في النصف الثاني من الثمانينات، استجابة لأزمة القطع الأجنبي في ذلك الحين، ولم تأت لقناعة بانتهاء جدوى نظام التخطيط المركزي وبضرورة الانتقال إلى نظام السوق. وتتابعت خطوات الإصلاح بعد ذلك، متباعدة ومترددة، لتضم نفحات من نظام السوق، ولكن من دون أن يتم أي تعديل في الفكر الاقتصادي الرسمي، ومن دون أن يتم وضع أي برنامج شامل للإصلاح. ولعل أحد أسباب ذلك هو غياب الإجماع لدى الحزب والحكومة حول طبيعة وعمق التحول المطلوب من نظام التخطيط المركزي باتجاه نظام السوق، وبالتالي حول طبيعة وعمق الإصلاح المرغوب في أي برنامج للإصلاح الاقتصادي.
ب المركزية الشديدة وتداخل الصلاحيات في أجهزة الحكومة، كما بين الحزب والحكومة، وكذلك البيروقراطية المعقدة التي هي صنيعة نظام التخطيط المركزي، إلى جانب وجود المؤسسات والهيئات والمنظمات الحكومية والحزبية والنقابية والأمنية العديدة ذات الأدوار التدخلية. وهذا كله يؤخر صدور القرارات اللازمة كما يعرقل تطبيق ما صدر منها.
ج المصالح الخاصة التي تختبئ تحت عباءة <<الحفاظ على اللحمة الوطنية>> أو <<الخصوصية السورية>> أو <<المعركة مع العدو>> لعرقلة أو لمنع التغيير حفاظاً على هذه المصالح المكتسبة.
د ضعف المعرفة بنظام السوق وبآلياته، وضعف الإطلاع على التغيرات الاقتصادية العالمية الجديدة وإدراك حقيقتها ومغزاها وكيفية التعامل معها. وليس هذا بغريب لأن القيادات المسؤولة تربت في ظل الاشتراكية المبنية على نظام التخطيط المركزي.
وهناك أسباب أخرى أكثر مشروعية للتردد في الإصلاح، أهمها الخشية مما يمكن أن يجره الانفتاح من تبعات اجتماعية وسياسية، والخشية على الصناعة المحلية من المنافسة الخارجية. لكن هذه الأسباب يمكن اتخاذ الإجراءات اللازمة للتعامل معها والتخفيف من آثارها، حين يتم تجاوز المعوقات المؤسساتية أعلاه. كما أن هناك أسباباً خارجة عن إرادة صاحب القرار الاقتصادي، مثل استمرار التوتر السياسي في المنطقة، الذي يغذي منطق الحفاظ على الدور التدخلي للدولة.
في المحصلة، فإن التدابير الإصلاحية التي تمت خلال الخمس عشرة سنة الماضية لم تنفذ بعد إلى عمق المشاكل الحقيقية التي يواجهها الاقتصاد السوري التي أشرنا إليها. كما تبقى هذه التدابير الإصلاحية التي تمت دون مستوى التحديات الخارجية، تحديات العولمة والشراكات الاقتصادية الإقليمية وتزايد الفجوة الرقمية، ومواجهة التحدي الصهيوني الذي يزداد شراسة من حيث قدراته التكنولوجية والمعرفية، فضلاً عن قدراته العسكرية.
وإذا أراد الاقتصاد السوري مواجهة تحدياته الداخلية والخارجية وتوظيف بطالته المتزايدة التي يغذيها وفود حوالي 300 ألف فرد إلى سوق العمل سنوياً، فلا بد من أن يُقدِم على عملية إصلاح عميق وشامل وسريع، وعلى تنمية اقتصادية وتكنولوجية شاملة، تحقق نمواً اقتصادياً مستديماً بحدود 7-8 في المئة بالسنة على الأقل. وعملية الإصلاح هذه لا يمكن أن تكون إصلاحاً تقليدياً يستند إلى التثبيت الاقتصادي والتكيف الهيكلي وإلى صيغة <<إجماع واشنطن>> (التي سادت في الثمانينات وأوائل التسعينات)، لا بل إن الإصلاح الذي تحتاج إليه سوريا اليوم يجب أن يكون ذا قاعدة عريضة، متضمناً، في ما يتضمن، عملية إعادة هيكلة تنظيمية وتشريعية ومؤسساتية، وإعادة هيكلة للوحدات الإنتاجية العاملة في القطاعين الخاص والعام، ورفع القدرات البشرية والتكنولوجية المحلية، وإصلاح جهاز الخدمة المدنية وتعزيز كل من مؤسسات المجتمع المدني وخطوات الاندماج الاقتصادي العربي. والجدير بالذكر أن هذه حزمة متكاملة ومترابطة الحلقات ولا يمكن الاستغناء عن أي من مكوناتها.
65-70 في المئة من واردات سوريا من القَطع الأجنبي. كما أصبح قطاع النفط يرفد حوالي 50 في المئة من موارد الموازنة العامة للدولة، بشكل مباشر أو غير مباشر. وبذلك، حلت إيرادات النفط محل المساعدات الخارجية الخليجية التي كانت تتدفق على سوريا بسخاء في السبعينات وأوائل الثمانينات، كمصدر رئيسي من مصادر القطع الأجنبي في البلاد ومن مصادر إيرادات الموازنة العامة للدولة وكعامل مهم من عوامل النمو في الاقتصاد الوطني.
النمو في العقود الثلاثة الماضية
حقق الاقتصاد السوري معدلات نمو عالية تراوحت ما بين 7 و10 في المئة في السنة في عقد السبعينات، نتيجة استثمارات كبيرة قام بها القطاع العام، مدعوما بتدفق كبير من المعونات الخارجية الرسمية، التي جاءت معظمها من بلدان الخليج العربي. غير أن النمو الاقتصادي ما لبث أن تعثر في الثمانينات في أعقاب انخفاض المساعدات الخارجية هذه، ونتيجة الوهن الذي أصاب مؤسسات القطاع العام. ولم يعد معدل النمو المرتفع إلى سابق عهده إلا في النصف الأول من التسعينات، حين بلغ حوالي 7 في المئة في السنة، وكان ذلك بفضل عاملين، أولهما عائدات النفط التي تدفقت على سوريا نتيجة تصدير النفط الخفيف، مرتفع السعر، الذي تم اكتشافه في منتصف الثمانينات، وثانيهما مجموعة من إصلاحات اقتصادية، تم اعتمادها ما بين الأعوام 1987 و1991، كان أهمها قانون تشجيع الاستثمار، القانون رقم 10 للعام 1991.
غير أن معدل النمو المرتفع لم يدم طويلاً إذ ما لبث نمو الاقتصاد السوري أن تباطأ ثانية ليصل إلى حوالي