ما العمل؟
إن شعار <<التطوير والتحديث>> (1) الذي ترفعه سوريا اليوم يتماشى مع نهج الإصلاح البطيء الذي تسير عليه، لكنه لا يتماشى مع التحديات ومتطلبات التعامل معها التي أشرنا اليها والتي تتطلب شعارا كشعار <<القفزة الكبيرة إلى الأمام>> الذي طرحته الصين في أواخر الستينات لتهتدي به وهي تسرع الخطى للحاق بالعالم الصناعي.
المطلوب بداية، الإقرار بأننا في أزمة ولسنا في مجرد مشكلة، والأزمة تتمثل في تدني معدلات النمو وتزايد البطالة، وتدني القدرة على المنافسة في اقتصاد مفتوح، ما يعرضنا إلى خطر التهميش. والمطلوب ثانياً، اتخاذ مجموعة من الخطوات الأساسية حتى تستطيع سوريا الانطلاق من عقالها. أولى هذه الخطوات كسر الجمود الفكري القائم حالياً، من خلال قيام الحزب والدولة بمبادرة يوضحان فيها رؤيتهما بشأن هوية الاقتصاد السوري المستقبلي، ويقومان بصياغة إطار فكري واقتصادي جديد. ولا بد لمثل هذا الفكر الجديد من أن يقوم على التبني الصريح لنظام السوق (الذي أثبت برغم نواقصه أنه يؤدي إلى استخدام أفضل للموارد من نظام الأوامر الإدارية) ولأولوية القطاع الخاص في العمل الإنتاجي، معتبرين ان مبدأ الملكية الخاصة حق وليس منحة، ومتجاوزين مبدأ <<التعددية الاقتصادية>>، ومنتقلين إلى مفهوم جديد مبني على الشراكة بين القطاعين العام والخاص، شراكة يضطلع فيها القطاع الخاص بالدور الريادي في النشاط الإنتاجي (لا دور الرديف)، ويضطلع فيها القطاع العام بالدور الريادي في عملية التنمية الاجتماعية.
وفي اعتقادي أن هذه خطوة لا بد منها لتخطي عقدة رئيسية تعيق سوريا من الانطلاق في إصلاحها الاقتصادي. وما لم يتم تخطي هذه العقدة فستظل البرامج والقرارات الاقتصادية متخبطة، وسيظل يتعرض تطبيقها للتردد وللبطء، ولن تستطيع سوريا جذب أي من الاستثمار الوطني الخاص أو الاستثمار العربي والأجنبي على نطاق واسع.
كما في اعتقادي أن من شأن تبني الدور الريادي للقطاع الخاص في العملية الإنتاجية أن يؤدي إلى إطلاق روح التجديد والريادية والابتكار في القطاع الخاص، وإلى وقف هجرة الخريجين من الشباب إلى البلدان الأخرى، بحثاً عن الدخل الجيد وعن النجاح وعن تحقيق الذات. ومن شأن قيام قطاع خاص نشط وديناميكي أن يوفر فرص عمل قادرة على استيعاب العمالة الفائضة الموجودة حاليا في مؤسسات القطاع العام، بما يمّكن الأخيرة من التخلص من مشكلة أساسية فيها وتمكينها بنفس الوقت من رفع أجور العمالة لديها ورفع إنتاجيتها. أي أن تنشيط القطاع الخاص يساهم مساهمة فعالة في عملية إصلاح القطاع العام.
أما استمرار الدعوة من قبل البعض إلى دور كبير للقطاع العام في العملية الإنتاجية فهي دعوة بعيدة عن الواقعية في ظل الظروف الدولية الجديدة وتتناقض في الوقت ذاته مع الرغبة في اجتذاب الرساميل السورية المهاجرة والرساميل العربية والأجنبية، خاصة أن المستثمر الخارجي يفهم هذه الدعوة بأنها استمرار للدور التدخلي للدولة.
بالنسبة إلى دور الدولة، فإن الإطار النظري الجديد يحتاج في اعتقادي أن يحدد دوراً جديداً لها، لا يكتفي بدورها التقليدي في نظام السوق (المرتكز على ضمان الأطر القانونية والمؤسساتية لعمل السوق على وجه أفضل وتعزيز المنافسة فيه)، بل ينتقل إلى أفق أبعد، يتضمن تحمل الدولة دور التخطيط (التأشيري)، والتركيز على القضايا الاجتماعية وقضايا التنمية البشرية والتكنولوجية، وعلى تحديد فرص الاستفادة من العولمة وأساليب التصدي لتهديداتها وغيرها من الأدوار. هذا الدور للدولة لا بد منه في سوريا كما في عالمنا النامي بشكل عام، ومخطئ من يظن أن الليبرالية الاقتصادية ونظام السوق وحدهما يمكن أن يأخذا سوريا أو أي دولة نامية أخرى إلى بر الأمان من دون دور للدولة، على أن يكون هذا الدور خارج العملية الإنتاجية ومنصباً بدلاً عن ذلك على جوانب التي أشرنا إليها أعلاه.
ومن جهة أخرى، ينبغي التأكيد على أن تعديل الخطاب الاقتصادي الرسمي السوري لا ينتقص من مكانة سوريا الإقليمية، بل هو يعزز هذه المكانة، خاصةً أنه يترافق مع استمرار الصمود القومي الذي تمارسه سوريا اليوم والذي أرسى قواعده الرئيس الراحل حافظ الأسد، بل إن استمرار سوريا بنهجها الاقتصادي الحالي هو الذي يضعف قدرتها على استمرار ممارسة دورها الإقليمي.
ثانياً: وضع تصور لمستقبل سوريا الاقتصادي في المنطقة في ظل التحديات الداخلية والخارجية التي أشرنا إليها سابقاً، بما فيها ظاهرة العولمة والشراكات الاقتصادية المقبلة سوريا عليها، والخطر الصهيوني في المنطقة، ثم ترجمة هذا التصور إلى خطة شاملة طويلة الأجل للتنمية الاقتصادية والاجتماعية تختلف عن الخطة التي تم اعتمادها مؤخراً والتي قامت على استمرار النهج الاقتصادي الحالي والتي تضمنت استثمارات توزعت بنسبة 69 في المئة منها للقطاع العام و31 في المئة فقط للقطاع الخاص. ويجب أن تركز الخطة المقترحة على كل من النمو ونوعية النمو، وعلى ما يمكن أن تختص به سوريا في المنطقة من سلع وخدمات في ظل الشراكات الاقتصادية الجديدة، وعلى تطوير التعليم وتنمية القدرات البشرية والتكنولوجية المحلية، وعلى العدالة الاجتماعية ومكافحة الفقر.
كما علينا، ونحن نسعى الى تحقيق معدلات النمو العالية، أن نضع نصب أعيننا الدخول في الاقتصاد المعرفي والاقتصاد الرقمي من أوسع أبوابه، وأن نسعى ونخطط للخروج من العالم الثالث خلال فترة زمنية معينة، مثلما فعلت من قبلنا دول شرقي آسيا ومثلما تفعل الآن دول أوروبا الشرقية والوسطى، وليكن ذلك على مدى عشرين سنة مثلاً. لكن يجب أن نضع هذا هدفاً رئيسياً من أهدافنا. ويعني ذلك أن نسعى إلى أن نتعولم، فنأخذ بعناصر التكنولوجيا الحديثة ونرفع من شأن قدراتنا البشرية وندخل في صلب النظام الاقتصادي العالمي، تجارةً واستثماراً وتكنولوجيا. فالعولمة قدر لا بد منه، وعدم التعولم سيؤدي بنا إلى المزيد من التهميش دولياً، وإلى المزيد من الفقر قطرياً وإقليمياً، وسيؤدي بنا إلى الرضوخ للمشروع الصهيوني الهادف إلى الهيمنة السياسية والاقتصادية على المنطقة.
لكن علينا كذلك أن نتحصن ونحن ندخل في الاقتصاد العالمي، وأن يكون هذا التحصن من خلال اعتماد الجبهة العريضة من الإصلاحات والإجراءات التنموية والتكنولوجية التي أكدنا عليها.
ثالثاً اعتماد برنامج إصلاح هيكلي ومؤسساتي شامل ومترابط، ليبرالي المنطلق، يرمي بوضوح إلى كل من زيادة معدلات الاستثمار وزيادة إنتاجية هذا الاستثمار، ضمن إطار زمني محدد، وتسلسل عقلاني للتدابير والإجراءات والسياسات المالية والنقدية والتعديلات الهيكلية والمؤسساتية المتضمنة في هذا البرنامج. ومن الضروري أن يوضع هذا البرنامج بقناعة وبمبادرة من عندنا، لا استجابة لضغوط الشراكة الأوروبية المتوسطية أو لأي جهة خارجية أخرى، وأن يكون جوهر برنامج الإصلاح التحرير الداخلي من جهة، من خلال إقامة البيئة التشريعية والتنظيمية الميسرة لعمل قطاع الأعمال وإزالة العقبات الإدارية وغير الإدارية لكل من الاستثمار والإنتاج والتصدير، ورفع القدرات الذاتية للقطاع الإنتاجي نفسه من جهة أخرى، وإقامة المؤسسات المالية والفنية والاستشارية الداعمة لعمله.
كما من الضروري أن يتضمن برنامج الإصلاح تجميد توسع القطاع العام الاقتصادي ضمن حدوده الحالية من جهة (أي عدم إقامة شركات قطاع عام جديدة وخصوصاً في مجال الصناعة)، ووضع آلية جديدة لعمل شركاته القائمة من جهة أخرى، آلية مبنية على أساس المنافسة والربح (وبالتالي فصل الوظيفة الاجتماعية عن القطاع العام الاقتصادي ونقلها إلى القطاع العام الإداري)، والإسراع في تصفية شركاته غير القابلة للإصلاح، والتعامل مع مشكلة العمالة الفائضة فيه بشكل مباشر من خلال إقامة برامج التعويض والتدريب. ولا يجب التهرب من مشكلة العمالة الفائضة، كما لا يجب أن نظن أن تدوير العمالة الفائضة ضمن القطاع العام نفسه سيحل المشكلة. بل يجب مواجهة هذه المشكلة بكل صعوباتها وتبعاتها بشكل مباشر، فما دامت هذه المشكلة قائمة سيظل القطاع العام مشلولا، غير قادر على المنافسة وغير قادر على تحقيق الفائض الاقتصادي اللازم لاستمراريته.
كما ومن الضروري أن يأتي برنامج الإصلاح الاقتصادي هذا مرتبطاً بثلاثة برامج أخرى، أولها برنامج إصلاح اجتماعي تفصيلي وشامل يتضمن، بين أشياء أخرى، تدابير تمكّن من التعامل مع العواقب السلبية الأولية الناجمة عن الإصلاح وتمكن من احتواء تزايد البطالة والفقر، وثانيها خطة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في البلاد (والتي أشرنا إليها أعلاه)، وثالثها خطة للارتقاء بسويّة التعليم وبالقدرات البشرية وللارتقاء التكنولوجي.
رابعاً: يجب أن يكون الإصلاح الإداري جزءاً لا يتجزأ من الجهد المنصب على تحقيق عمليتي الإصلاح والتنمية المشار إليهما، فنحن بحاجة الى جهاز خدمة مدنية يضع خطط الإصلاح والتنمية بكفاءة، وينفذ هذه الخطط بكفاءة، ويتخذ القرار الاقتصادي بكفاءة في حينه. ولا تقل أهمية الإصلاح الإداري المطلوب عن أهمية الإصلاح الاقتصادي، كما أنه لا يقل عنه صعوبة. ولا شك في أن برنامج الإصلاح الإداري يجب أن يتضمن تهيئة الكوادر البشرية اللازمة وتوصيف الوظائف والخروج من المركزية الشديدة، ورفع أجور العاملين في القطاع العام. ولكن بنفس الوقت لا يمكن لأي خطوات من هذا النوع أن تكون فعالة إذا لم يتم فصل <<الإدارة>> عن <<السياسة>> في العمل الحكومي، والنظر إلى الخدمة المدنية كعمل تقني بحت، لا يجوز <<للاعتبارات الحزبية>> أو الوساطات أن تتدخل فيه، سواء في التعيين أو في تسيير شؤونه اليومية. ولا بد في هذا المضمار من إقامة علاقة جديدة بين الحزب والدولة يضع الحزب بموجبها التوجهات الاقتصادية العامة، ويترك للحكومة وجهازها الإداري اتخاذ وتحمل مسؤولية القرارات الاقتصادية اليومية. أما استمرار تشابك الصلاحيات والأدوار بين الطرفين فسيظل يعيق العمل الإداري وسيظل يشل القدرة على اتخاذ القرار الاقتصادي بالسرعة اللازمة.
خامساً: يجب أن تتضمن عملية الإصلاح والتنمية بالضرورة، السعي إلى تفعيل مؤسسات المجتمع المدني وتنشيط دورها، إلى جانب دور الحكومة في عملية الإصلاح والتنمية، وفي التصدي للفرص، كما للتحديات المتدفقة مع موجات العولمة. نحن اليوم أحوج ما نكون إلى إحياء هذه المؤسسات وإلى إدخال مبادئ الإدارة الرشيدة ومفاهيم الشفافية وسيادة القانون إلى مفرداتنا وإلى إشراك المجتمع بأكمله في عملية التنمية. ويجب أن يكون إحياء مؤسسات المجتمع المدني وتعميق المفاهيم المشار إليها مقدمةً للإصلاح السياسي الذي لا بد وأن يكون آتياً في المستقبل، فالإصلاح الاقتصادي يفرز قوى جديدة، فاعلة في المجتمع، لا بد وأن تشارك في نهاية المطاف في العملية السياسية.
سادساً: يجب أن تترافق جهود الإصلاح الاقتصادي والتنمية مع الجهود لتعزيز الاندماج الاقتصادي العربي، أولاً بسبب الأهمية التنموية لهذا الاندماج وثانياً لأهمية هذا الاندماج في مواجهة تحديات العولمة والتكتلات الاقتصادية الجديدة، العالمية منها والإقليمية. فمهما قامت سوريا (أو أية دولة عربية أخرى) من إصلاح وتنمية بمفردها، فهي لن تستطيع أن تواجه تحديات العولمة والتكنولوجيا الحديثة والفجوة الرقمية، إلا من خلال إنجاح مشروع منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى أولاً، والانتقال بهذا المشروع بعد ذلك إلى إقامة السوق العربية المشتركة.
في نهاية هذه المقالة نقول وبصراحة ان عقد التسعينيات كان عقداً ضائعاً بالنسبة للإصلاح الاقتصادي في سوريا التي لا تستطيع أن تضيع عقداً آخرَ، بل ولا حتى نصف عقد من الزمن. وما على المتباهين بالتدرج السوري للإصلاح، الذي جنّب البلاد الهزات، كما يقولون، إلا أن يتذكروا التدني الذي يتم في دخل الفرد في سوريا الذي أشرنا إليه، والتزايد في معدلات البطالة (الذي يصل إلى حوالي 20 في المئة) وتزايد هجرة الشباب، فضلاً عن استمرار انحدار موقع سوريا في سلم التنمية العالمي. ان النداءات الداعية إلى التدرج والتروي والحذر، والنداءات التي ترفع شعار <<الاستقرار قبل الإصلاح>> وغير ذلك من الشعارات، تخفي في معظمها عدم رغبة حقيقية في الإصلاح. وفي اعتقادي أن الحذر المتطرف أكثر ضرراً من السرعة المفرطة، خصوصاً في ظل الموجة المتصاعدة للعولمة والتقدم العالمي الحاصل في تكنولوجيا المعلومات والذي يهدد غير القادرين على مواكبته بالمزيد من التهميش. ومن جهة أخرى فإن من شأن البطالة المتزايدة في الاقتصاد السوري أن تهدد الاستقرار نفسه الذي يخشون عليه، إذا لم يتم التعامل معها بالسرعة اللازمة من خلال الإصلاح الشامل والعميق.